لسان الدين ابن الخطيب

327

الإحاطة في أخبار غرناطة

يكن بين تلبية المدعوّ وزهده ، وبين قبوله وردّه ، إلّا كما يحسو الطائر ماء الثّماد ويأبى اللّه أن يكل نصر « 1 » هذه الجزيرة إلى سواه ، وأن يجعل فيها سببا إلّا لمن أخلص لوجهه الكريم علانيته ونجواه . ولمّا أسلم الإسلام بهذه الجزيرة الغريبة إلى مثاويه « 2 » ، وبقي المسلمون يتوقّعون حادثا ساءت ظنونهم لمباديه ، ألقينا إلى الثقة بالله تعالى وحده يد الاستسلام ، وشمّرنا عن ساعد الجدّ والاجتهاد « 3 » في جهاد عبدة الأصنام ، وأخذنا بمقتضى قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ « 4 » أخذ الاعتزام ، فأمدّنا اللّه تعالى بتوالي البشائر ، ونصرنا بألطاف أغنى فيها خلوص الضمائر عن قوّاد « 5 » العساكر ، ونفلنا « 6 » على أيدي قوّادنا ورجالنا من السّبايا والغنائم ما عدّ « 7 » ذكره في الآفاق كالمثل السائر وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 8 » ، وكيف يحصيها المحصي أو يحصرها الحاصر . وحين أبدت لنا العناية الربّانيّة وجوه الفتوح « 9 » سافرة المحيّا ، وانتشقنا نسيم « 10 » النّصر الممنوح عبق الرّيّا ، استخرنا اللّه تعالى في الغزو بأنفسنا « 11 » ونعم المستخار ، وكتبنا إلى من قرب من عمّالنا « 12 » بالحضّ على الجهاد والاستنفار . وحين وافى من خفّ للجهاد من الأجناد والمطوّعين ، وغدوا بحكم رغبتهم في الثواب على طاعة اللّه مجتمعين ، خرجنا بهم ونصر اللّه تعالى أهدى دليل ، وعناية اللّه بهذه الفئة المفردة من المسلمين ، تقضي بتقريب البعيد من آمالنا ، وتكثير القليل . ونحن نسأل اللّه تعالى أن يحملنا على جادّة الرّضا والقبول ، وأن يرشدنا إلى طريق يفضي « 13 » إلى بلوغ الأمنية والمأمول « 14 » ، إلى أن حللنا عشيّة يوم الأحد ثاني يوم خروجنا بمقربة حصن اللّقوة فأدرنا به التّدبير ، واستشرنا من أوليائنا من تحققنا نصحه فيما يشير ، فاقتضى الرأي المقترن بالرّشاد ، المؤذن بالإسعاد ، قصد قيجاطة لما رجى من تيسير فتحها ، وأملا في إضاءة فجر الأماني لديها ، وبيان صبحها ، فسرنا نحوها في جيش يجرّ على المجرّة ذيل النقع المثار ، ويضيق عن كثرته واسع الأقطار ، ويقرّ عين الإسلام بما اشتمل عليه من الحماة والأنصار ، تطير بهم نيّاتهم بأجنحة العزم إلى

--> ( 1 ) في النفح : « نصرة الإسلام بهذه الجزيرة إلى سواه ، ولا يجعل فيها شيئا إلّا . . . » . ( 2 ) في النفح : « مناويه » . ( 3 ) كلمة « والاجتهاد » ساقطة في النفح . ( 4 ) سورة البقرة 2 ، الآية 195 . ( 5 ) في النفح : « قود » . ( 6 ) في الأصل : « ونقلنا » والتصويب من النفح . ونفّل القائد جنده : أعطاهم ما غنموه . لسان العرب ( نفل ) . ( 7 ) في النفح : « ما غدا » . ( 8 ) سورة إبراهيم 14 ، الآية 34 . ( 9 ) في النفح : « الفتح » . ( 10 ) في النفح : « نسائم » . ( 11 ) في النفح : « بنفسنا » . ( 12 ) في النفح : « أعمالنا » . ( 13 ) في النفح : « تفضي » . ( 14 ) لهنا ينتهي النص في النفح .